Tuesday, February 16, 2010

ياله من حظ







يدور يدور يدور .... يا إلهي ... هذا الرجل يشبه الدبور الذي نلعب به في الحارة .. وبنفس سرعته

ومض هذا الخاطر في ذاكرتي الصغيرة ذات الأحد عشر عاما، والتي لم تتلوث بعد بجراح سكين الزمن ... وأنا أشاهد هذا الرجل يرتدي تلك الملابس الزاهية ويدور في خفة ورشاقة ناثرا ألوان الطيف في كل اتجاه ... حتى لتحسب نفسك تعيش للويحظات في قوس قزح

هززت جسدي الصغير متأرجحا وأنا أمسك كف أمي وأسرح في أفكاري ... ياله من رجل سعيد، ليس عليه أداء الواجب المدرسي يوميا، أو الاستيقاظ مبكرا كل صباح ... ليس عليه أن ينال التعنيف من والديه ... أو يُعاقب على تناوله الحلوى بكثرة ... ياله من رجل محظوظ

كل ما يفعله هو الدوران في فرح ...ونثر أزهاره الملونة حول الجميع ... ليرسم البسمة على وجوههم ... ياله من رجل محظوظ

ها أنا أتابعه وهو يلف لفته الكبرى ... يلف في سرعة ... يغلق عينيه في استمتاع ... الناس تصيح مشجعة إيه ... وأنا أكادأقفز من مكاني فرحا ... وبينما هو يدور، فتح عينيه ... وللحظة التقت عينانا و...

ما هذا الذي أراه؟؟؟ .... عيناه ... هاتان العينان يطل منهما حزن أليم ... حزن عميق ... حزن حفرته الدنيا في عينيه العسليتين بإزميل من ألم ...

لويحظات ... حسبتها دهرا ... وأنا أطالع ما يقول لي بعينيه ... لقد كان يشكو مرارته وأحزانه ... يبث ألمه وشكواه ... أستطيع ان أحس ذلك ... أن ألمس ألمه بيدي... أن أتحسس دمامل جراحه المعذبة

لويحظات أنستني الدنيا ... أنستني حياتي القصيرة ... إحساسي بالأسى تجاهه يتضاعف ... خُيل إلي أن دموعي ستنهمر ... خيل لي أن قلبي سينفطر ...

لويحظات ... وأغلق عينيه من جديد .... وهو يلف في انتشاء أكبر ... لكني لمحتها ... تلك الدمعة التي هربت من بين براثن رموشه لتطير في الهواء ... راسمةً خطاً قصيراً يُضاف إلى دفتر عذابه ... ما لبث أن تلاشى بين دوراناته ...

هاهو يضع يديه على صدره ... أستطيع سماعه ... إنه يحدث نفسه عن هذا الفتى ... الذي لا تزال أمامه الدنيا وأحلامها... هذا الفتى الذي يمتلئ صخبا وحماسا ...

يبتسم ...ويردد في صوت مخفوت سمعه قلبي ... ياله من فتى محظوظ !!! ه

شروق



الأول : ما أجمل شروق الشمس

الثاني : شروق ؟؟ ... إنه الغروب يا صديقي

الأول: لا يهم ...المهم هو التمتع بهذه الأشعة الخضراء

الثاني : خضراء ؟؟؟ .... ألم ترى أشعة ذهبية في حياتك ؟؟؟

ابتسم الأول ... والتفت إلى الثاني ... عدل من وضع نظارته الشمسية ثم قام ضاربا الأرض بعصاه لتكشف له الطريق ... فهو - ككفيف - لم يعد يعرف ما الفرق بين الأخضر والذهبي

لم يعد حتى يبالي بالفرق


ذو القناع



ها هو يرد بهذا القناع البارد الذي احترف ارتداءه ...

كلماته قوية, رأيه ثابت, منطقه راجح عابث ... لا أعلم كيف يجتمع كلاهما معاً ... ولكنه استطاع أن يفعلها

لكني أراها, أرى ابتسامته وراء هذا القناع تتسع, إنه سعيد, بل إنه يكاد يطير فرحا، ليصطدم بأول طائرة ركاب تعبر فوق القاهرة ...

ابتسامة سعيدة بهذا الجدل العقيم ...

هي هواية ؟ ... ربما ... ولو أني أعتقد أنه الوحيد الذي يهواها

أم حرفة قد يتكسب منها ؟ ... فهو يبيع الكلام كأنه جرعة مخدرة

أم لعلها مجرد سفسطة كاذبة ؟ ... أرى أنها تعجبه ... كمدمن عشق حقنته ... ورجل هام بزوجته

لكني -مع ذلك - ما زلت ابتسامته المراوغة هناك ... تتخفى .. خلف ذاك القناع ... القناع الكاذب


قصته ... وقد تكون قصتك



هي قصة تقليدية قليلا ... لكني أحببت أن أخرج فيها بعض الأفكار والذكريات ، وأعتقد أني راض عما وصلت إليه

لكن لو أردت قرآءتها فسأحيلك إلى رابط آخر ... لأنها قد لا تناسب موضوع المدونة

قصته ... وقد تكون قصتك

.
.
.

بـــتحبهـــا ؟؟

بتحبها ؟


الكاميرا تدور في الشارع باحثة عن فرصة ما, المذيع يجول بنظره ... وقع نظره عليه, مواطن من الدرجة الأولى ... توجه إليه مع المصور الذي يعاني معه حر الصيف وبرد الشتاء والعمل المفتوح المخاطر مع المواطنين ... وصلا إليه ... وبدأ اللقاء ... اللقاء التاريخي

- أهلا وسهلا يا حضرة
نظر إليهما بشك واستنكار رادا :
- أهلا بيك ياخويا ... خير ؟
- احنا من برنامج "فكر تاني" ... وعايزين نسألك سؤال مهم

ابتسم الرجل بشدة مندفعا إلى نافوخه تلك الأحلام النجومية بظهوره على شاشة التلفزيون, وكيف سيقف أمام مراته ليخبرها بكل فخر أنه "نجم", وسيحترمه بلبل بلطجي الحارة , بل قد يتصل به "بيتر جاكسون" عارضا عليه دور الغوريلا في "كينج كونج 2" .... و ....

- يا إكسلانس ... انت معانا ؟؟؟
- إيه ؟؟؟ .... آه ... أيوه أيوه ... باردون
- باردون !!!! .... طيب يا خواجة ... ممكن نسألك "كويسشن"؟
- أكيد ... جو أهيد
- طيب نتعرف عليك الأول ؟
- واحد ... واحد مصري
- طيب ... انت .... بتحبها ؟ ........ بتحب مصر؟

أجفل الرجل .... اتسعت عيناه , اضطربت شفتاه, ... هل يقصدها ... مصر؟ ... تمتم كعاشق غدرت به حبيبته:
- بحبــ .... بحبها ؟ ...... إيه اللي بتقوله ده ... أنا دايب في دباديبها, عاشق لهواها, شارب من نيلها, حابب ....
- طيب ... طيب ... من غير أفلام ... بتحبها ليه ؟
- ليه ؟ .... إزاي يا باشا تقول كده ... ليه؟ ... دي مصر اللي اديتني كل حاجة , اللي عملتلي كل حاجة, متقولش مصر اديتني إيه , قول ...
- ... إديت إيه لمصر, عارفين الحورات الحمضانة دي ... بس احنا في البرنامج بنقولك فكرتاني ... هي اديتك إيه ؟
- كل حاجة, كل حاجة حضرتك
- زي ؟
سكت ... شخص ببصره يفكر, "صحيح, إديتني إيه؟" ... نقل بصره بين المذيع والمصور ومجموعة الناس التي اجتمعت حوله لعلها تظفر بفرصة للظهور في الصندوق العجيب ...
- بنقولك تاني .... إديتك إيه ؟
- مفيش اختيارات يا باشا ؟
نقل المذيع والضيف كليهما نظرهما لصاحب الصوت الذي أطل برأسه من وسط الزحام مطلقا هذا السؤال ... رمقاه بنظرة "من ساسه لراسه" ذهابا وعودة ... فانكمش بين الرؤوس الأخرى في خجل بينما عادت الحياة لطبيعتها أمام ا الكاميرا
- رد يا واحد يا مصري ... اديتك إيه ؟ ... اديتك شهادة ؟
- وثائق ومكتبات وربك يافندم
- ودي تشتغل بيها إيه ؟
- رف في مكتبة, جلدة في كتاب, دودة في موسوعة ... أي حاجة تأكل عيش ...
- واشتغلت إيه في الآخر ؟
- نقاش في حارتنا
- وبتعمل كام في الشهر ؟
- من 300 لحد 500 لحلوح
- بيقضوك ...؟
- أيوه ... بيقضوني أنا ... أكل وشرب ومواصلات ... التفكير في الجواز عيب, الرفاهية ممنوعة, الحاجة الساقعة بتدمر الميزانية
- طيب ... اديتك إيه بقى ؟؟؟

سكت ثانية ... أكيد هيه اديته حاجة, مش ده اللي بيقولوه على طول في الإعلانات والأغاني؟ ... بس صحيح, هوه كل ما كان يسأل كانوا يردوا : متقولش مصر اديتك إيه ... قول إديت إيه .... بلا ... بلا ... بلا
حاول الاعتراف ... هوه مخدش منها حاجة ... لكن نفسه أبت ... دي مصر :
- ربتني ... أكلتني زرعها ... شربتني نيلها ... سكنتني تحت سماها
- ليه ؟ ... مش انت اللي بتدفع حق الخضار؟ ... مش انت اللي بتكع فاتورة الميه؟ ... مش أبوك اللي طلعت عينه في قسط الشقة ؟
كاد أن يسكت ثالثة , لكنه قرر قلب الترابيزة :
- شكلك عميل ... أو من مخابرات دولة تانية ؟ ... انت مين ياض ؟
نظر له المذيع بثقة :
- أنا مصري ...وابن مصري ... بس بحب الصراحة
- صراحة إيه ؟
- صراحة إن البلد دي طلعت عيني في المذاكرة, وفي النهاية مدخلتش الكلية اللي نفسي فيها ... يبقى ما اديتنيش علم ... كافحت واتعلمت المجال اللي عايزه من على النت, واشتغلت مع قناة بره ... يبقى ما اديتنيش وظيفة ... اشتريت أرض وبنيت بيت , كانوا هيهدموه لولا دفعت رشاوي ... يبقى عامل مكاني بفلوسي ... تقدر تقولي عملتلي إيه ؟
- ازاي؟ ... انت أكيد مش مصري, انت خاين
- هوه ده ردك الوحيد ؟ ... عشان بواجهك بالحقيقة تقولي خاين ؟ .... هوه أنا دخلتلكوا الاستعمار؟ هيه اللي دخلته ... هوه أنا اللي عملتلكوا الذل ؟ .... هيه اللي فيه من ساعة ما اتولدت ... لا ليها حاجة عندي, ولا ليا حاجة عندها
- يعني ما استلفتش منها حاجة قبل كده ؟
- لأ ... هيه اللي خدت مني الجزمة والهدوم وسابتني عريان لما كنت بدرس لوحدي في الجامعة ... هيه اللي سابت البلطجية يضربوني وياخدو أول مرتب قبضته ... هيه اللي دخلتني التخشيبة لما خبطتني عربية بدعوى إني – كواحد بيعدي الشارع- مكنتش معلق نمر, عشان الأخ سواق العربية يقرب للبيه المسئول ...
- بس ... بس انت كده بتظلمها ... الناس هيه اللي عملت فيك
- ومين اللي جاب الناس ... ومين اللي سايبهم ... و ... صحيح ... إيه مصر أساسا ؟
- مصر ... بلدي ... من الاسكندرية إلى أسوان ... من رفح إلى السلوم
- طيب ما السودان كان معانا ... ليه مبقاش مصر ... وليه أنا مش سوداني
- إزاي يعني ؟
- يعني لو جيت بكره وقولتلك مصر أعلنت حدودها من الجيزة لأكتوبر ... يبقى الأخ البني سويفي يعتبر أجنبي ... ولو أعلنوا بولاق الدكرور مقر الحكومة ومنتهى الدولة, يبقى بتوع شبرا محتلين للأرض ... يا عم الحاج ... ده واحد جه , واحتلك, وقسمك, وقالك, انت مصر, من هنا لهنا ... روحت انت فرحت وهتفت بالروح والدم, وألفتلي مصر هي أمي, ولو سألتني ... وهلم جراً
- بس برضه, مهما عملت فيا ... أنا مصري... وبحبها
- يبقى انت بتحب الشقا
- لا يافندم ... طب بقولك ... انت بتحب أمك ؟
- إيه السؤال الغريب ده ... أكيد طبعا
- طيب ولو زعقتلك ؟ ضربتك ؟ شتمتك ؟
- أستحملها ... جزمتها على دماغي
- حتى لو مصرفتش عليك؟ حتى لو طردتك من البيت؟ حتى لو ميزت عليك أخوك ؟
- أكيد ... دي مهما كان أمي
- وهي ... مهما كانت ... مصر

سكت الاثنان, سكت الجمهور, سكت الشارع ... ودارت الكاميرا تصور مشهدا صامتا, خاليا من الحروف, بين واحد مصري دايب فيها ... وواحد مصري برضه, طالع عينه منها ...






ويستمر السكوت !!!!


Tuesday, August 25, 2009

ياليتني




-----------------

ضيق في النفس ... أحس بالاختناق ... بالموت

هااااااااااااااا

صرخت وأنا أكافح لآخذ بعض الهواء الذي يحيي رئتي ... ولكن لم يقابلني سوى هذا اللهيب الحار ... فيشوي الوجوه ويذيب الجلود

نار محرقة ... لكنها لا تضئ ... هي سوداء كظلمات البحر اللجي ... خانقة كدخان ألف بركان ...

أمد يدي يمنة ويسرة ... علّي أتشبث بمُنقذ ... علّي أجد مخرجاً أو منجى ...

ألمح ضوءاً ... لمع لثانية كانت كافية لتشعرني أنه نجم بزغ في الظلام ... أفِل ثانيةً ... ثم عاد في خفوت كما لو كان يدعوني

أكافح وسط اللهيب ... جلدي يذوب في ألم رهيب ... ليستبدله بجلد يذيقني المزيد ... وصرخاتي تخرج من جوفي وتتلاشى عند فمي المحترق ...

لا زلت أكافح أن أصل للضوء ... أريد أن أراه ... أريد أن أخرج من كابوسي ... أريد ذلك حقاً ...

دموعي تنهمر فتغلي في مقلتيها ... لتسيل على خديَّ حمماً تنهش لحمي المشتعل ...

أنفاسي المتعبة تخرج حارةً ملتهبة ... فترتد في وجهي حاملة معها غباراً أسودا ...

فجأة ... للحظة خرجت ... للحظة وجدت نفسي في ذاك النور .. في ذاك الضياء ... ولمحته هناك ... مصحفي ... قرآني ...

كلا ... لم يكن لي ... لم أكن معه ... لم أكن أعرفه ... كان فقط مجرد ديكور على الرف ... كان فقط مجرد شكل للبيت ...

مددت يدي في وهن ... وأنا أشاهد جلدها الواهي يتساقط في هدوء محترق ...

مددت يدي بشدة ... أريد أن أصل إليه ... أن ألمسه ... أن أبكي على صفحاته ندماً ...

مددت يدي أكثر وأكثر ... علّي ألمس نوره المشع ... علَي أنال من أمانه الواسع ...

لكن ... أحسست بتلك الأيادي تحيطني ... وتسحبني من جديد نحو السواد الحارق ...

صرخت في حسرة ... صرخت في ألم ... صرخت كما لم أصرخ في حياتي الفانية

امتدت يد تطبق على فمي ... تمنعني حتى من الصراخ أو الألم ... ليسكن كل شئ حولي ...

إلا من هذا الصوت المسموع ... ما إن وعيت كلماته حتى ارتعد ما تبقى من أطرافي ... وهو يردد :


" قال ربي ....... ارجعون"


-----------------

photo reference


Wednesday, December 31, 2008

.... كان اسمها ....

حاول تقرا للآخر




.... كان اسمها ....
--------------



الزمان : أواخر 2018
المكان : القاهرة الجديدة – البرج الأمريكي السكني – الدور 304 - شقتي العزيزة

أسترخي على كرسيي الوثير, غائصا فيه حتى حلمات أذني, مستمتعا بنسمات التكييف الدافئة بينما اطالع إيميلاتي على اللابتوب الجديد ذي الشاشة الهولوجرامية, وبالتأكيد رفيق دربي, كوب النعناع, يحتل مكانه على مكتبي مذكرني بأيامي الماضية, أيام القشف ...

تحركت لأدفن نفسي في هذا الكرسي أكثر, وأنا أعلم كم تبلغ درجة الحرارة خارجا والقادرة على تحويل كوب من الأيس كريم إلى قطعة ثلج و ... أوه ... نسيت أن الأيس كريم مثلج بطبعه اساساً ...

أصوات صياح شقية تعلو خارج مكتبي, تهدأ الأصولات, ثم أسمع طرقات ضعيفة تذكرك بقطة صغيرة تخربش باب منزلك القديم طلبا للدفء, لحظات وفُتح الباب ليطل منه وجه ملاكي الصغير "سارة" ذات السبعة أعوام بابتسامتها التي تستطيع إذابة قلب رجل الجليد المجمد ... ضحكت ضحكة كبيرة, ضحكة واسعة أجزم أنها قادرة على إحداث زلزال شوق في نصف سكان القاهرة على الأقل ...

جرت نحوي لتقفز في أحضاني , تظاهرت بقتالها , أخذت ألاعبها رفعتها لأعلى :
" مين حبيب بابي"
" أنا"
" مين عايز ينط في حضن بابي ؟"
"أنااااا"
" مين عايز بوووووووووووسه"
" أنااااااااااااااااا"

اختلطت "أناها" مع كلماتي وأنا أدفسها في حضني مغرقا إياها بالقبلات ومزغزغا إيها حتى صاحت مفرفرة ضاحكة :
كفاية يا بابي ... كفاااااااية
ابتعدت عنها ضاحكا ... لعبت في شعرها بعبث وسط صرخاتها الطفولية بينما ....
"احم ... "
اعتدلت في سرعة متطلعا إلى "نيكول" , زوجتي الأمريكية , رامقة إياي بنظرات متوعدة ... فردت ظهري مصطنعا الحزم وأنا أقول لسارة :
خلاص يا سارة ... يلا بقى عشان تلحقي تذاكري

ضحكت سارة ضحكة خبيثة ... فهي تعلم من الآمر الناهي في هذا البيت رغم أعوامها السبع ... نزلت من على قدمي مسرعة خلف أمها التي غادرت الحجرة, لكن سارة توقفت, قبل أن تخرج , والتفتت إلي :
"بابي ... في حاجة شفتها على "جوجل" وأنا بعمل بحث الـ "هيستوري" بتاعي ... ومفهمتهاش"
ابتسمت وأنا أردد في نفسي : البت الخلبوصة ... وبقت تعمل مذاكرتها على جوجل, الله يرحم أيام كارت الفاكس والديال أب
"بابي ؟"
أفاقتني من تلك السرحة البسيطة :
"قولي يا حبيبتي... إيه اللي مفهمتوش"
"كلمة كده ... تقريبا اسم مدينة قديمة"
"اسمها إيه ؟"
"اسمها ... غــ ... غـــااا ... أيوه ... غزة"

غزة ؟؟؟
انتفضت كمن تلقى للتو 1000 فولت من الكهرباء سرت في جسده بغته, انتفضت كمن صب على رأسه إناء زيت مغلي , انتفضت ... كما لم أنتفض من قبل ...
تحركت يدي لا إراديا ... سقط كوب النعناع ... دوار شديد ... جعل رأسي كسندان يطرق عليها مطرقة من فولاذ ...

"بابي ؟؟؟ مالك ... في حاجة ؟"
أتطلع إلى سارة بعينين خاويتين, جسدي هربت منه الدماء, حلقي جف كصحراء لم يمسسها المطر منذ عقود, أصابعي ترتعش, نعم , ترتعش بشدة, لا أستطيع إيقافها وهي تنافس في سرعتها دقات قلبي المرتفعة وأصوات أنفاسي المتعاقبة ..
غزة ؟؟؟

"سارة ... كوم هير ماي بيبي"
صوت أمها ينادي عليها ولاتزال سارة في حالة قلق وخوف
اهتزت شفتاي, محاولتان قدر الإمكان رسم شبح ابتسامة وأنا أردد بصوت مبحوح :
"طيب يا سارة ... روحي كلمي ماما دلوقتي"
تطلعت إلي الفتاة المسكينة بعيون ملأها التساؤل والإشفاق, لكنها سارعت بالخروج مغلقة الباب ورائها ... أغلقته, لأغوص أنا في كرسيي, لكنه لم يكن وثيرا هذه المرة ... بل هو صلب ... مؤلم ... كما لو أنه أنبت لنفسه أشواكا لتعاقبني, لتعذبني ... والأسوأ, لتذكرني ...

حاولت الاستناد على مكتبي ... أنفاسي تتسارع أكثر, قلبي يسابق دقات الساعة, فتحت الدرج بيد مرتعشة, تناولت دواء القلب, أفرغت محتواه على المكتب وتناولت بيد واهنة أحد تلك الأقراص , رويدا رويدا , بدأت أشعر بتحسن ... لكنه تحسن ذلك الجسد الفاني ... أما عقلي ... فبدأ رحلة العذاب, رحلة إزالة الغبار, رحلة ... الذكريات

غزة ... ياااااااااااااااااااه ... منذ ما يقرب من عشر سنوات ... كانت هناك ... كانت تئن ... كانت تنادي ... لكنها أخطأت ... فقد نادت على الرجال في زمن اختبأ فيه أشباه الرجال خلف النساء ... نادت على الأسود في وقت كانوا فيه ضباعا تنتظر الفتات ... نادت على أمة تركت كل ما يربطها بهذه الأمة إلا اسما في بطاقة أو ملحوظة في دفتر ذكريات ...

تألمت ... بكيت ... نعم ... دمعتي سقطت ... لم أتصور ذلك ... لقد ... نسيتها ....
نعم ... أنا ... وغيري ... وأمتي كلها ... نسيناها ... نسينا ... غزة
شعلة المقاومة تلك انطفأت ... اختفت ... تاركة النساء للنساء, والعار للعار ...
نعم تذكرت الآن ... أبادوها ... منذ عشر سنوات دمروها ... منذ عشر سنوات خسفوها ...

اعتدلت ... تطلعت إلى شاشة حاسوبي ... تذكرت ذلك الموضوع في أحد المنتديات التي طالما شهدت نزاعاتنا العنصرية مقدمة على الوحدة الإسلامية ... كان الموضوع عن اننا يوما ما سننساها, وصرخت وقتها من أعماقي, أبدا يا غزة لن أنساكي, لن أنسى ما قعله بك هؤلاء , لن أنسى جراحك وآهاتك وعذابك و ........ ونسيت ... بكل بساطة ...

تسندت في صعوبة على بعض الكراسي حتى وصلت إلى شرفة بيتي العريضة المطلة على القاهرة الجديدة من هذا الارتفاع الشاهق ... وتطلعت ... الآن أحس بالفرق ... الآن أحس بالذل ... هاهي جامعة تل أبيب قد فتحت مقرا لها هنا وسطنا ليكون منارة لهم في أرضنا ... أنظر يمينا قليلا لأجد مطعم الأكلات العبرية بواجهته التي تحوي اللونين الأبيض والأزرق مذكرة كل ناظر بعلمهم الحقير ... أمسكت سترتي لأنتبه لأول مرة من عبارة "صنع في إسرائيل بأيدي مصرية" ... ابتسمت ابتسامة مرارة, ابتسامة خزي, ابتسامة انهزام ...

عدت إلى حاسوبي, فتحت جوجل لأبدأ البحث, كتبت غزة بالعربية, لم أجدها ... كتبتها بالإنجليزية, يااااااااه , ترى كيف كانت تكتب, أخذت أحاول وأكتب و ... وجدتها ... ثم النتيجة ... صفحة واحدة كتب عنوانها اسم غزة بالانجليزية ... دخلت على الصفحة لأجد سطرا واحدا
"في الذكرى العاشرة لاجتياح غزة ... هل نسيناها؟"

رعشة قوية اجتاحت ظهري حتى أطراف شعري ... أبتلع ريقي الجاف ليجعل من حلقي مراً علقماً ... دمعة أخرى تتكون في عيني التي طالما شاهدت صور الشهداء ...

أغمضت عيني والدمعة تنحدر ... وأنا أتذكر القصف والنيران التي كانت تنهال عليهم ... ماذا لو أني كنت هناك ... ماذا لو كانت"سارة" ابنتي أحد الضحايا ... وأنا أجري بها يمينا ويسارا ... وأصرخ أمام عدسات المصورين ... ماذا دهاك أيها العالم الأصم ... ماذا دهاكم أيها العرب ... أين أنتم, وأين رجالكم, وأين جيوشكم ؟ ... متى ستتحركون لإنقاذ ابنتي ... أنظر إليها والدموع تنهمر لتغرق وجهها البرئ, لتنسدل على شعرها الذي تمشطه سعيدة كل صباح, لتغرق ثوبها الذي فرحت به هذا العيد , تغرق لعبتها القماشية التي تصطحبها في كل مكان ... أصرخ في ألم مر, لعل صوتي يسمع النائمين في فرشهم الوثيرة ... لعله يوقظ هذه القلوب التي دفنت قبل أن يُدفن أصحابها, لعلها تزيل هذه الجدران والطائرات لتفتح لي الطريق إلى أقرب مستشفى لإنقاذ فلذة كبدي ...

أتخيل نفسي ... وأنا أشاهد تلفازا في ركن من بقايا منزل محطم ... أطالع صورتي في أخبار المساء ... صورتي ... وبجوارها خبر, أب يفقد ابنته في القصف الوحشي, ثم ... اجتماع للعرب للتعبير عن الإدانة الوحشية ... أعتصر بيدي لعبة صغيرتي, أمسح عليها, علي أجد فيها مواسيا عن كلام المسلمين, عن غثائهم, عن خلافاتهم ... التي أخذت مني ابنتي ...

"بابي ؟؟؟"
فتحت عيني فجأة .... مستيقظا من غفوتي, مستيقظا من سكرتي, موقظا رجولتي ... ومن بين دموعي, ميزت وجهها البرئ ... لم أتحمل , أخذتها في حضني وأنا أقبلها بشدة, أبعدتني برقة ومدت يدها لتمسح دموعي وهي تقول في براءة :
"بابي ... انت بتعيط ليه؟ ... ماما زعقتلك تاني"
ابتسمت في مرارة ... وأنا أقول لها :
" لا يا حبيبتي ... ماما مش هتزعق تاني من النهاردة ... وبعد كده, قوليلي يا أبي"
اتسعت ابتسامتها وهي تردد :
"جميلة أوي أبي دي ... بس ماما مش هتزعل ؟"
"ليه يا حبيبتي"
"عشان انت خدت منها الاسم ؟"
ضحكت بشدة رافعا إياها على حجري وأنا أقول :
"بصي بأه ... النهاردة هحكيلك قصة جميلة جدا "
"بجد يا بابا ؟"
"أيوه ... أول مرة تسمعيها"
"يعني مش غاششها ... من كتاب ... 100 قصة للأطفال"
ابتسمت ... ورددت:
"لأ ... لأن دي قصة حقيقية يا سارة"

وبدأت أحكي لها عن رجالنا ... عن أسودنا ... عن الذين تحملوا وصمدوا ... أحكي لها عن الذين ارتدوا ثوب الرجولة يوم أن تدثر النساء بالنساء ... أحكي لها عن أرض الصمود ... عن أرض ... كانت ... وسيظل اسمها ... غزة