Tuesday, February 16, 2010

شمعة تلعن الظلام





انقطع التيار فجأة ... ليحل ذاك الظلام السرمدي الذي تحس به يطبق على أنفاسك

تنهدت، ثم تحسست طريقي حتى وجدت الدرج ... أخرجت منه شمعة وعلبة ثقاب

أشعلت الشمعة ... لأرى لهبها المحبب أمامي منتشرا



أخذت أتطلع إليه ... بكل اندماج ... لهيب الشمعة المتراقص ذاك

تلك الشمعة المسكينة ... ما إن يشعلوها ... حتى تمدهم بضوء يزيح الظلمات خارج مجالها

حتى تنير لهم طرقا عميت عنها أبصارهم

أو حتى يتسلون بنورها الدافئ في أمسيات عاطفية


لكن ... مع هذه المساعدة والسعادة التي تبثهما ... فإنها تحترق ... تتلاشى ... تموت

يتآكل جسدها في عذاب أليم ... وبكاء مرير ... تحسه من تلك الدموع الشمعية التي تنسال على جانبي جسدها اللامع

ياللمسكينة الذليلة ... يقابل الناس إحسانها بعذابها .. ونورها بقتلها ... ودفئها بإطفائها


ها أنا أرى سويعاتها الأخيرة ... وجسدها قد تساوى بالطبق تحتها ... بينما لهبها يكافح ليجد الحياة

يخبو اللهب ويعلو ... يناضل من أجل حق الضوء ... حق الحياة

يالشجاعته وإخلاصه ... فرغم قرب احتضاره ... لا يزال مصرا على بعث الحياة في ذاك الظلام حوله


ثم .. انطفأ اللهب ... وماتت الشمعة ... وضحك الظلام في صمت



فوبيا الجسور





ازدرد ريقه في صعوبة كمن يبلع ثمرة تين شوكي ... متطلعا في توتر إلى ذلك الجسر الصغير في قلق
هاهو العرق يتصبب منه, وإحدى حباته تجد لها مسلكا بين أخاديد جبينه منزلقة على جانب عينيه بطريقة درامية مصورة

أنفاسه تتسارع, يعلم أن عليه عبور الجسر, فقط ... هذا كل ما في الأمر
لكنه ... خائف ... نعم, إنه يخاف عبور الجسور, يخاف منها كخوف الدجاجة عندما ترى السكين وفحم الشواء فتوقن بأن نهايتها ستكون في معدة أحدهم بعد لحظات

هل هي فوبيا الجسور؟ ... أيوجد أساسا شئ كهذا؟
غمغم في نفسه ... ثم حاول نفض تلك الأفكار, وتوجه نحو الجسر ... ولكن ... توقف من جديد وجسده يرتجف كهاتف محمول وضعت فيه خاصية الاهتزاز على أعلى درجاتها

تخيل هذا الجسر, وهو يبتسم ابتسامة شيطانية, ويتمنى منه أن يقترب ... ثم فجأة, يتحول إلى وحش ذي أنياب بارزة, ويخرج من مكانه كثعبان ينقض على فريسته ليلتف حوله ويسحبه معه إلى أعماق تلك البركة الراكدة تحته

أمسك رأسه في عنف, أغلق عينيه في توتر, وهو يتخيل نفسه هناك يتخبط بين الظلام اللزج ... لكنه هز رأسه أكثر ناثرا الأفكار, وأخذ يتطلع إلى الجسر من جديد

ثم ... اقترب أكثر, وأكثر, وأكثر, حتى توقف أمامه تماما
حاول التركيز بشدة, وأخذ يدندن بذلك اللحن الذي يحفظه منذ الصغر ... أغلق عينيه و .... وضع قدمه على أول لوح خشبي

فتح عينيه, لم يصدق نفسه, كاد يرقص فرحاً, ضحك بشدة غير مصدق لانتصاره, لم تسعه الدنيا فرحا و ....

صوت من خلفه :
بقولك إيه يا كابتن ... احنا هنقضيها طول النهار هنا ولا إيه ؟؟؟

انتبه فجأة, أنه لا يزال بالفعل على أول لوح ... فالتفت في هدوء إلى محدثه وهو يرد :
هانت أهي ... فاضل 320 لوح ونوصل بالسلامة يا ريس !ه



ياله من حظ







يدور يدور يدور .... يا إلهي ... هذا الرجل يشبه الدبور الذي نلعب به في الحارة .. وبنفس سرعته

ومض هذا الخاطر في ذاكرتي الصغيرة ذات الأحد عشر عاما، والتي لم تتلوث بعد بجراح سكين الزمن ... وأنا أشاهد هذا الرجل يرتدي تلك الملابس الزاهية ويدور في خفة ورشاقة ناثرا ألوان الطيف في كل اتجاه ... حتى لتحسب نفسك تعيش للويحظات في قوس قزح

هززت جسدي الصغير متأرجحا وأنا أمسك كف أمي وأسرح في أفكاري ... ياله من رجل سعيد، ليس عليه أداء الواجب المدرسي يوميا، أو الاستيقاظ مبكرا كل صباح ... ليس عليه أن ينال التعنيف من والديه ... أو يُعاقب على تناوله الحلوى بكثرة ... ياله من رجل محظوظ

كل ما يفعله هو الدوران في فرح ...ونثر أزهاره الملونة حول الجميع ... ليرسم البسمة على وجوههم ... ياله من رجل محظوظ

ها أنا أتابعه وهو يلف لفته الكبرى ... يلف في سرعة ... يغلق عينيه في استمتاع ... الناس تصيح مشجعة إيه ... وأنا أكادأقفز من مكاني فرحا ... وبينما هو يدور، فتح عينيه ... وللحظة التقت عينانا و...

ما هذا الذي أراه؟؟؟ .... عيناه ... هاتان العينان يطل منهما حزن أليم ... حزن عميق ... حزن حفرته الدنيا في عينيه العسليتين بإزميل من ألم ...

لويحظات ... حسبتها دهرا ... وأنا أطالع ما يقول لي بعينيه ... لقد كان يشكو مرارته وأحزانه ... يبث ألمه وشكواه ... أستطيع ان أحس ذلك ... أن ألمس ألمه بيدي... أن أتحسس دمامل جراحه المعذبة

لويحظات أنستني الدنيا ... أنستني حياتي القصيرة ... إحساسي بالأسى تجاهه يتضاعف ... خُيل إلي أن دموعي ستنهمر ... خيل لي أن قلبي سينفطر ...

لويحظات ... وأغلق عينيه من جديد .... وهو يلف في انتشاء أكبر ... لكني لمحتها ... تلك الدمعة التي هربت من بين براثن رموشه لتطير في الهواء ... راسمةً خطاً قصيراً يُضاف إلى دفتر عذابه ... ما لبث أن تلاشى بين دوراناته ...

هاهو يضع يديه على صدره ... أستطيع سماعه ... إنه يحدث نفسه عن هذا الفتى ... الذي لا تزال أمامه الدنيا وأحلامها... هذا الفتى الذي يمتلئ صخبا وحماسا ...

يبتسم ...ويردد في صوت مخفوت سمعه قلبي ... ياله من فتى محظوظ !!! ه

شروق



الأول : ما أجمل شروق الشمس

الثاني : شروق ؟؟ ... إنه الغروب يا صديقي

الأول: لا يهم ...المهم هو التمتع بهذه الأشعة الخضراء

الثاني : خضراء ؟؟؟ .... ألم ترى أشعة ذهبية في حياتك ؟؟؟

ابتسم الأول ... والتفت إلى الثاني ... عدل من وضع نظارته الشمسية ثم قام ضاربا الأرض بعصاه لتكشف له الطريق ... فهو - ككفيف - لم يعد يعرف ما الفرق بين الأخضر والذهبي

لم يعد حتى يبالي بالفرق


ذو القناع



ها هو يرد بهذا القناع البارد الذي احترف ارتداءه ...

كلماته قوية, رأيه ثابت, منطقه راجح عابث ... لا أعلم كيف يجتمع كلاهما معاً ... ولكنه استطاع أن يفعلها

لكني أراها, أرى ابتسامته وراء هذا القناع تتسع, إنه سعيد, بل إنه يكاد يطير فرحا، ليصطدم بأول طائرة ركاب تعبر فوق القاهرة ...

ابتسامة سعيدة بهذا الجدل العقيم ...

هي هواية ؟ ... ربما ... ولو أني أعتقد أنه الوحيد الذي يهواها

أم حرفة قد يتكسب منها ؟ ... فهو يبيع الكلام كأنه جرعة مخدرة

أم لعلها مجرد سفسطة كاذبة ؟ ... أرى أنها تعجبه ... كمدمن عشق حقنته ... ورجل هام بزوجته

لكني -مع ذلك - ما زلت ابتسامته المراوغة هناك ... تتخفى .. خلف ذاك القناع ... القناع الكاذب


قصته ... وقد تكون قصتك



هي قصة تقليدية قليلا ... لكني أحببت أن أخرج فيها بعض الأفكار والذكريات ، وأعتقد أني راض عما وصلت إليه

لكن لو أردت قرآءتها فسأحيلك إلى رابط آخر ... لأنها قد لا تناسب موضوع المدونة

قصته ... وقد تكون قصتك

.
.
.

بـــتحبهـــا ؟؟

بتحبها ؟


الكاميرا تدور في الشارع باحثة عن فرصة ما, المذيع يجول بنظره ... وقع نظره عليه, مواطن من الدرجة الأولى ... توجه إليه مع المصور الذي يعاني معه حر الصيف وبرد الشتاء والعمل المفتوح المخاطر مع المواطنين ... وصلا إليه ... وبدأ اللقاء ... اللقاء التاريخي

- أهلا وسهلا يا حضرة
نظر إليهما بشك واستنكار رادا :
- أهلا بيك ياخويا ... خير ؟
- احنا من برنامج "فكر تاني" ... وعايزين نسألك سؤال مهم

ابتسم الرجل بشدة مندفعا إلى نافوخه تلك الأحلام النجومية بظهوره على شاشة التلفزيون, وكيف سيقف أمام مراته ليخبرها بكل فخر أنه "نجم", وسيحترمه بلبل بلطجي الحارة , بل قد يتصل به "بيتر جاكسون" عارضا عليه دور الغوريلا في "كينج كونج 2" .... و ....

- يا إكسلانس ... انت معانا ؟؟؟
- إيه ؟؟؟ .... آه ... أيوه أيوه ... باردون
- باردون !!!! .... طيب يا خواجة ... ممكن نسألك "كويسشن"؟
- أكيد ... جو أهيد
- طيب نتعرف عليك الأول ؟
- واحد ... واحد مصري
- طيب ... انت .... بتحبها ؟ ........ بتحب مصر؟

أجفل الرجل .... اتسعت عيناه , اضطربت شفتاه, ... هل يقصدها ... مصر؟ ... تمتم كعاشق غدرت به حبيبته:
- بحبــ .... بحبها ؟ ...... إيه اللي بتقوله ده ... أنا دايب في دباديبها, عاشق لهواها, شارب من نيلها, حابب ....
- طيب ... طيب ... من غير أفلام ... بتحبها ليه ؟
- ليه ؟ .... إزاي يا باشا تقول كده ... ليه؟ ... دي مصر اللي اديتني كل حاجة , اللي عملتلي كل حاجة, متقولش مصر اديتني إيه , قول ...
- ... إديت إيه لمصر, عارفين الحورات الحمضانة دي ... بس احنا في البرنامج بنقولك فكرتاني ... هي اديتك إيه ؟
- كل حاجة, كل حاجة حضرتك
- زي ؟
سكت ... شخص ببصره يفكر, "صحيح, إديتني إيه؟" ... نقل بصره بين المذيع والمصور ومجموعة الناس التي اجتمعت حوله لعلها تظفر بفرصة للظهور في الصندوق العجيب ...
- بنقولك تاني .... إديتك إيه ؟
- مفيش اختيارات يا باشا ؟
نقل المذيع والضيف كليهما نظرهما لصاحب الصوت الذي أطل برأسه من وسط الزحام مطلقا هذا السؤال ... رمقاه بنظرة "من ساسه لراسه" ذهابا وعودة ... فانكمش بين الرؤوس الأخرى في خجل بينما عادت الحياة لطبيعتها أمام ا الكاميرا
- رد يا واحد يا مصري ... اديتك إيه ؟ ... اديتك شهادة ؟
- وثائق ومكتبات وربك يافندم
- ودي تشتغل بيها إيه ؟
- رف في مكتبة, جلدة في كتاب, دودة في موسوعة ... أي حاجة تأكل عيش ...
- واشتغلت إيه في الآخر ؟
- نقاش في حارتنا
- وبتعمل كام في الشهر ؟
- من 300 لحد 500 لحلوح
- بيقضوك ...؟
- أيوه ... بيقضوني أنا ... أكل وشرب ومواصلات ... التفكير في الجواز عيب, الرفاهية ممنوعة, الحاجة الساقعة بتدمر الميزانية
- طيب ... اديتك إيه بقى ؟؟؟

سكت ثانية ... أكيد هيه اديته حاجة, مش ده اللي بيقولوه على طول في الإعلانات والأغاني؟ ... بس صحيح, هوه كل ما كان يسأل كانوا يردوا : متقولش مصر اديتك إيه ... قول إديت إيه .... بلا ... بلا ... بلا
حاول الاعتراف ... هوه مخدش منها حاجة ... لكن نفسه أبت ... دي مصر :
- ربتني ... أكلتني زرعها ... شربتني نيلها ... سكنتني تحت سماها
- ليه ؟ ... مش انت اللي بتدفع حق الخضار؟ ... مش انت اللي بتكع فاتورة الميه؟ ... مش أبوك اللي طلعت عينه في قسط الشقة ؟
كاد أن يسكت ثالثة , لكنه قرر قلب الترابيزة :
- شكلك عميل ... أو من مخابرات دولة تانية ؟ ... انت مين ياض ؟
نظر له المذيع بثقة :
- أنا مصري ...وابن مصري ... بس بحب الصراحة
- صراحة إيه ؟
- صراحة إن البلد دي طلعت عيني في المذاكرة, وفي النهاية مدخلتش الكلية اللي نفسي فيها ... يبقى ما اديتنيش علم ... كافحت واتعلمت المجال اللي عايزه من على النت, واشتغلت مع قناة بره ... يبقى ما اديتنيش وظيفة ... اشتريت أرض وبنيت بيت , كانوا هيهدموه لولا دفعت رشاوي ... يبقى عامل مكاني بفلوسي ... تقدر تقولي عملتلي إيه ؟
- ازاي؟ ... انت أكيد مش مصري, انت خاين
- هوه ده ردك الوحيد ؟ ... عشان بواجهك بالحقيقة تقولي خاين ؟ .... هوه أنا دخلتلكوا الاستعمار؟ هيه اللي دخلته ... هوه أنا اللي عملتلكوا الذل ؟ .... هيه اللي فيه من ساعة ما اتولدت ... لا ليها حاجة عندي, ولا ليا حاجة عندها
- يعني ما استلفتش منها حاجة قبل كده ؟
- لأ ... هيه اللي خدت مني الجزمة والهدوم وسابتني عريان لما كنت بدرس لوحدي في الجامعة ... هيه اللي سابت البلطجية يضربوني وياخدو أول مرتب قبضته ... هيه اللي دخلتني التخشيبة لما خبطتني عربية بدعوى إني – كواحد بيعدي الشارع- مكنتش معلق نمر, عشان الأخ سواق العربية يقرب للبيه المسئول ...
- بس ... بس انت كده بتظلمها ... الناس هيه اللي عملت فيك
- ومين اللي جاب الناس ... ومين اللي سايبهم ... و ... صحيح ... إيه مصر أساسا ؟
- مصر ... بلدي ... من الاسكندرية إلى أسوان ... من رفح إلى السلوم
- طيب ما السودان كان معانا ... ليه مبقاش مصر ... وليه أنا مش سوداني
- إزاي يعني ؟
- يعني لو جيت بكره وقولتلك مصر أعلنت حدودها من الجيزة لأكتوبر ... يبقى الأخ البني سويفي يعتبر أجنبي ... ولو أعلنوا بولاق الدكرور مقر الحكومة ومنتهى الدولة, يبقى بتوع شبرا محتلين للأرض ... يا عم الحاج ... ده واحد جه , واحتلك, وقسمك, وقالك, انت مصر, من هنا لهنا ... روحت انت فرحت وهتفت بالروح والدم, وألفتلي مصر هي أمي, ولو سألتني ... وهلم جراً
- بس برضه, مهما عملت فيا ... أنا مصري... وبحبها
- يبقى انت بتحب الشقا
- لا يافندم ... طب بقولك ... انت بتحب أمك ؟
- إيه السؤال الغريب ده ... أكيد طبعا
- طيب ولو زعقتلك ؟ ضربتك ؟ شتمتك ؟
- أستحملها ... جزمتها على دماغي
- حتى لو مصرفتش عليك؟ حتى لو طردتك من البيت؟ حتى لو ميزت عليك أخوك ؟
- أكيد ... دي مهما كان أمي
- وهي ... مهما كانت ... مصر

سكت الاثنان, سكت الجمهور, سكت الشارع ... ودارت الكاميرا تصور مشهدا صامتا, خاليا من الحروف, بين واحد مصري دايب فيها ... وواحد مصري برضه, طالع عينه منها ...






ويستمر السكوت !!!!