Friday, May 28, 2010

مصر ... لم تعد حياتي

مصر ... لم تعد حياتي
---------------------

أضحى الجو أكثر ظلمة فيها ... بينما تلبدت سمائها بغيوم مثقلة بهموم شعب كامل ... وكلما ظننا أنها ستمطر، خدعتنا تلك السحابة وظلت رابضة مكانها تصارع نفسها بنفسها

المسألة أصبحت صعبة إن لم تكن مستحيلة .... الراغبون في التغيير لديهم - في الغالب - نية الإصلاح، لكن ليس هناك بصيص من الأمل على إمكانية وصولهم لمناصب تساعدهم على تحقيق ذلك ...

هذه البلد أيها السادة لم تعد لنا ... لم تعد تريدنا ... ولم نعد نحن ابنائها ... بل لم نعد حتى نرقى لدرجة عبيد لديهم بعض الحقوق

هذه البلد طلقتنا ثلاثاً رامية في وجوهنا تراباً من صحرائنا الشرقية ... أخذت منا الرشاوى وأسكنتنا تحت الكباري ومنعتنا من وظائف آدمية أو شقة نبني فيها عش حياتنا لنمارس حقنا الطبيعي في الزواج ...

هذه البلد انتهى تاريخ صلاحيتها منذ سنين عديدة ... حتى تعفنت واحتلتها البكتريا ، التي تعفنت بدورها تاركة بقايا وطن لا ترى فيه إلا علماً ثلاثي الألوان يتوسطه صقر تآكل من كثرة استخدامه في أوراق مصالح حكومية لا تتم، وأغنية "مشربتش من نيلها؟" الذي أضحى دماً مراقا من شعبها أو بكاءاً حاراً من شبابها العاطل على القهاوي

للأسف .... لا أستطيع أن اجد اسم مصر في قلبي حتى أفكر أن أضحي لها ولو بساعة ... لا أستطيع أن أدفع نفسي إلى النظر إلى وجهها فتنظر لي نظرة عطف راجية مني أن أساعدها ... لا أستطيع أن أمد يدي إليها وهي تحتمي بمظلة بوليسية تبرر لها سجني وتعذيبي

ومع كل ذلك ... ربما، لو استطاع أحدهم أن يأخذ خطوة نحو طريق الإصلاح، واحتاج مني ما هو باستطاعتي تقديمه ... فسأحاول دفعه حتما إلى الأمام ...

قد يكون هذا إرضاءاً لضميري، ولأخبر هذه البلد يوما ما، أني حاولت أن أوقفها عن السقوط في الهاوية، لكنها داست فوق رأسي بحذائها رامية نفسها في احضان هذا المستقبل الأسود ... مستقبلٌ لا يعلمه إلا الله


Tuesday, February 16, 2010

مخنوق ؟؟؟ .... عادي ... فرغ الشحنة

مخنوق ؟؟؟ .... عادي ... فرغ الشحنة


الغضب ... حالة نفسية تبعث بالإحباط داخل جنبات نفسك ... بتخليك قرفان من كل اللي حواليك, بما فيهم نفس سعادتك ... بترفع درجة غليان اعصابك لما فوق درجة انصهار التيتانيوم , يعني بركان الجبل الأسود ذات نفسه ميجيش حاجة جنب درجة سخونتك ( على فكرة ... مفيش بركان في الجبل الأسود ....... تقريبا يعني)

خلونا نرجع لجنبات النفس .... ناخد رحلة سريعة كده جواها في حالة الغضب ...

أولا الموقف الرخم الغتيت اللي بيولع في فتيل قنبلة يدوية الصنع عظيمة الانفجار سريعة الاشتعال .... واحد داس على رجلك في الأتوبيس ومعبركش ولو بأسف بسيط ... ولو كنت غني حبتين نقول إن واحد خبط عربيتك الـ 128 اللي انت محافظ عليها من أيام الخديوي إسماعيل .... ولو انت في الشغل المدير معبرش طلباتك أو أكل حقك ...

في الموقف ده .... يبدأ قلبك يجمع "باور" محترم من الغيظ ... ويبعته في دفقة دم مركزة إلى المخ الللي بيخزن كل أحداث الموقف وتبعاته في الداتا بيس بتاعة مخ حضرتك (أيوه مخك إنت ... أكيد مش مخي أنا يا ذكي) ... وتبدأ شحنة من الغل والكراهية يتم تصنيعها في مصنع الزهق والطهق لتبدأ رحلتها إلى منطقة التصدير ...

وزي ماحنا شايفين كده واحنا رايحين على يمينا أهرامات العقل الهطلة ... ودي المنطقة المسئولة عن التصفات الهبلة في خريطة حياتك المبجلة ... على شمالنا بيعيش فايرس "الفول المدمس" ... أظن طبعا واضح ليه المصريين بيعشقوا النوع ده من الأكل ...

لو رفعتوا نظر حضراتكوا فوق شوية ... كمان شوية كده ... هتشوفو طيور الكوكو واوا ... عارف لما بتشوف إعلان فقيع ... أهي العصافير دي هي اللي بتبيض ساعتها في دماغك ... طبعا بالصفار ...

المهم ... وصلنا منطقة التصدير ... شايفين الكونتينر الكبيييييييييييييييييير ده ... الشحنة السابق ذكرها هتخش فيه ... طبعا مع السكة الطويلة دي العك اللي معانا خمر وعفن وبقى حاجة كاكا خالص ... وده المطلوب إثباته ...

دلوقتي الكونتينر هيروح على طول لمترو الأعصاب السريع ... وياخد سكته ... لحد هنا الراوند جوه جسم سعادتك بتخلص ... نطلع بره عشان نبص على الموقف من بعيد شوية ونشوف اللي هيحصل ...

الأخ الفاضل (اللي هوه سعادتك ... واللي تفضلنا باستعراض عملية التخمير جوه جسمك) واقف راسك بتغلي ... وخلاص الشحنة دلوقتي بتوصل لمكان من اتنين لا ثالث لهما ...

إما تروح على إيد ورجل حضرتك ... وبالتالي لتفريغ الشحنة دي فيجب ضربهما بجسم صلب مع عمل احتكاك قوي ... وطبعا مفيش داعي ألمح لسعادتك إن أفضل جسم صلب لاستخدامه هو الأفندي اللي خانقك وواقف قدام معاليك .... في هذه الحالة حضرتك تخلصت من شحنة العفونة في جسمك ... ودي أفضل حاجة صحيا ومش مهم اللي يحصل بعد كده .... وكل محضر وانت طيب ...

أما بقى المكان التاني ... فده الحالة السيئة ... لأنه – بينما الشحنة العفنة إياها في طريقها لإيديك ورجليك – فجسمك بيتفضل شاكرا بإفراز كمية أدرانالين تكفي لإشباع قبيلة ناموس من العطش وذلك بأمر من دماغ حضرتك بناء على مشاعر معينة مخزنة في داتا بيس معاليك عبارة عن كلمات "كبر دماغك" "نفض" "يا عم ده ممكن يأذيني" "أنا خايف" "أنا سلبي" " هي جت عليا" .... وما لا ينتهي منعبارات الانهزام والتأخر والتخلف ...

هنا ... وهنا فقط ... تنكتم كمية العفن والشحنة التفريغية ... فمتلاقيش مكان تروحله غير إنها تتجه رأسا إلى نافوخك ... وهنا يتم التفريغ بطريقة واحدة فقط ... شايف العامود اللي هناك ده ... لا مش ده ... ده ده حديد ... التاني ده ... أيوه ... الرخام اللي هناك ... حضرتك تروح هناك ... وطاااااااااااااااخ ... ترزع دماغك المبجلة هناك لحد ما تجيب دم يوازي في كميته فرع الرشيد مع وجود مراكب من عظام جمجمتك الفاضلة .... وكل كفن وانت طيب ...


طبق من البطيخ



"هي ... أنت ... أيها الفتى الصغير ... أتريد واحدة؟"

انتبهت على صوت هذاالرجل القروي البسيط ... واضعا امامه طبقا تراصت به قطع مرمرية من البطيخ بطريقة تجعله حلوا في العيون ... خصوصا في هذا الجو الحار الذي ينزع الماء من جسدك انتزاعاً

"أتريد واحدة يا فتى؟"

أيقظني كلماته مرة أخرى ... نظرت إليه ... إلى عينيه ... هاتان العينان القويتان الحادتان، واللتان تبدوان كجوهرتين، احاطتهما كمية من التجاعيد المحفورة بشكل يوحي أنها تحافظ عليهما ... بينما اعتلت رأسه تلك العمامة القروية ... وزينت وجهه بسمة محببة تجعلك تظن أنك تنظر لمصر ذاتها

اقتربت في هدوء متنحنا وأنا أردد :
" نعــ ... نعم ... أريد واحدة"

التقط واحدة من الطبق واضعا إياها أمام عيني وهو يردد :
"أتراها يا فتى ... تبدو كما لو كانت قطعة من الثلج الأحمر، على وشك أن يزيل غبار العطش من جوفك الصغير"

اقتربت اكثر وأنا أهز رأسي مبتسما ولعابي يكاد يسيل عليها

" هاك إياها أيها الصغير ... يبدو أنك تتوق لتروى ظمأك"

مددت يدي الرقيقة في تردد بينما هو يتابع :

"الماء الذي يحويه هذا البطيخ سيجعلك مرحا نشيطا ... إنه ماء الحياة ذاته"

أقترب أكثر بكفي من تلك القطعة اللامعة، وأنا أتخيلها تذوب بين شفتي في تلذذ ... ممنيا نفسي بطعم ملائكي

اقتربت أكثر ... مددت يدي ... لمستها بأصابعي .. و ...


فجأة ... أسرع الرجل يلقيها في فمه بسرعة ... ناظرا إليّ وإلى نظراتي المصدومة الغير مصدقة

ثم انفجر ضاحكا بشدة على هذا المقلب الرائع ... ضحك بملئ فيه ضحكا

لم أتمالك نفسي ... انحدرت دمعة من جانب فمي في يأس ... اقشعر جسدي لانطلاء الحيلة عليّ

وذاك القروي لا يزال يضحك ... لا يزال سعيدا ... وكلما رأى دموعي ضحك أكثر وأكثر وأكثر و ...

--------------------

لكنه توقف بغتة ... وجحظت عيناه ... وسعل بشدة

تراجعت في خوف وقلق ... ما الذي حدث

بدأ الرجل يصدر أصواتا غريبة ... ويبدو أنه كان يكافح ليتنفس ... يبدو أن بذرة أو قطعة ما انحشرت في حلقه

بدأ يحشرج ... ويشير إلي بيد مرتعشة لأساعده ... لكني هممت بالهروب خوفا

ومع ذلك لم أفعل ... بل وقفت قليلا... ثم تقدمت نحوه في تردد ... وعيناه محمرتان كالدم ... بينما نفسه يتباطأ ...

كان في نظرته شكر وامتنان لأني لم أتركه ... لأني ربما أساعده ...لأنه ربما يعيش ثانيةً

اقتربت ... وانحنيت عليه

تناولت طبق البطيخ ... وتركت ساقي للريح


------------

شمعة تلعن الظلام





انقطع التيار فجأة ... ليحل ذاك الظلام السرمدي الذي تحس به يطبق على أنفاسك

تنهدت، ثم تحسست طريقي حتى وجدت الدرج ... أخرجت منه شمعة وعلبة ثقاب

أشعلت الشمعة ... لأرى لهبها المحبب أمامي منتشرا



أخذت أتطلع إليه ... بكل اندماج ... لهيب الشمعة المتراقص ذاك

تلك الشمعة المسكينة ... ما إن يشعلوها ... حتى تمدهم بضوء يزيح الظلمات خارج مجالها

حتى تنير لهم طرقا عميت عنها أبصارهم

أو حتى يتسلون بنورها الدافئ في أمسيات عاطفية


لكن ... مع هذه المساعدة والسعادة التي تبثهما ... فإنها تحترق ... تتلاشى ... تموت

يتآكل جسدها في عذاب أليم ... وبكاء مرير ... تحسه من تلك الدموع الشمعية التي تنسال على جانبي جسدها اللامع

ياللمسكينة الذليلة ... يقابل الناس إحسانها بعذابها .. ونورها بقتلها ... ودفئها بإطفائها


ها أنا أرى سويعاتها الأخيرة ... وجسدها قد تساوى بالطبق تحتها ... بينما لهبها يكافح ليجد الحياة

يخبو اللهب ويعلو ... يناضل من أجل حق الضوء ... حق الحياة

يالشجاعته وإخلاصه ... فرغم قرب احتضاره ... لا يزال مصرا على بعث الحياة في ذاك الظلام حوله


ثم .. انطفأ اللهب ... وماتت الشمعة ... وضحك الظلام في صمت



فوبيا الجسور





ازدرد ريقه في صعوبة كمن يبلع ثمرة تين شوكي ... متطلعا في توتر إلى ذلك الجسر الصغير في قلق
هاهو العرق يتصبب منه, وإحدى حباته تجد لها مسلكا بين أخاديد جبينه منزلقة على جانب عينيه بطريقة درامية مصورة

أنفاسه تتسارع, يعلم أن عليه عبور الجسر, فقط ... هذا كل ما في الأمر
لكنه ... خائف ... نعم, إنه يخاف عبور الجسور, يخاف منها كخوف الدجاجة عندما ترى السكين وفحم الشواء فتوقن بأن نهايتها ستكون في معدة أحدهم بعد لحظات

هل هي فوبيا الجسور؟ ... أيوجد أساسا شئ كهذا؟
غمغم في نفسه ... ثم حاول نفض تلك الأفكار, وتوجه نحو الجسر ... ولكن ... توقف من جديد وجسده يرتجف كهاتف محمول وضعت فيه خاصية الاهتزاز على أعلى درجاتها

تخيل هذا الجسر, وهو يبتسم ابتسامة شيطانية, ويتمنى منه أن يقترب ... ثم فجأة, يتحول إلى وحش ذي أنياب بارزة, ويخرج من مكانه كثعبان ينقض على فريسته ليلتف حوله ويسحبه معه إلى أعماق تلك البركة الراكدة تحته

أمسك رأسه في عنف, أغلق عينيه في توتر, وهو يتخيل نفسه هناك يتخبط بين الظلام اللزج ... لكنه هز رأسه أكثر ناثرا الأفكار, وأخذ يتطلع إلى الجسر من جديد

ثم ... اقترب أكثر, وأكثر, وأكثر, حتى توقف أمامه تماما
حاول التركيز بشدة, وأخذ يدندن بذلك اللحن الذي يحفظه منذ الصغر ... أغلق عينيه و .... وضع قدمه على أول لوح خشبي

فتح عينيه, لم يصدق نفسه, كاد يرقص فرحاً, ضحك بشدة غير مصدق لانتصاره, لم تسعه الدنيا فرحا و ....

صوت من خلفه :
بقولك إيه يا كابتن ... احنا هنقضيها طول النهار هنا ولا إيه ؟؟؟

انتبه فجأة, أنه لا يزال بالفعل على أول لوح ... فالتفت في هدوء إلى محدثه وهو يرد :
هانت أهي ... فاضل 320 لوح ونوصل بالسلامة يا ريس !ه



ياله من حظ







يدور يدور يدور .... يا إلهي ... هذا الرجل يشبه الدبور الذي نلعب به في الحارة .. وبنفس سرعته

ومض هذا الخاطر في ذاكرتي الصغيرة ذات الأحد عشر عاما، والتي لم تتلوث بعد بجراح سكين الزمن ... وأنا أشاهد هذا الرجل يرتدي تلك الملابس الزاهية ويدور في خفة ورشاقة ناثرا ألوان الطيف في كل اتجاه ... حتى لتحسب نفسك تعيش للويحظات في قوس قزح

هززت جسدي الصغير متأرجحا وأنا أمسك كف أمي وأسرح في أفكاري ... ياله من رجل سعيد، ليس عليه أداء الواجب المدرسي يوميا، أو الاستيقاظ مبكرا كل صباح ... ليس عليه أن ينال التعنيف من والديه ... أو يُعاقب على تناوله الحلوى بكثرة ... ياله من رجل محظوظ

كل ما يفعله هو الدوران في فرح ...ونثر أزهاره الملونة حول الجميع ... ليرسم البسمة على وجوههم ... ياله من رجل محظوظ

ها أنا أتابعه وهو يلف لفته الكبرى ... يلف في سرعة ... يغلق عينيه في استمتاع ... الناس تصيح مشجعة إيه ... وأنا أكادأقفز من مكاني فرحا ... وبينما هو يدور، فتح عينيه ... وللحظة التقت عينانا و...

ما هذا الذي أراه؟؟؟ .... عيناه ... هاتان العينان يطل منهما حزن أليم ... حزن عميق ... حزن حفرته الدنيا في عينيه العسليتين بإزميل من ألم ...

لويحظات ... حسبتها دهرا ... وأنا أطالع ما يقول لي بعينيه ... لقد كان يشكو مرارته وأحزانه ... يبث ألمه وشكواه ... أستطيع ان أحس ذلك ... أن ألمس ألمه بيدي... أن أتحسس دمامل جراحه المعذبة

لويحظات أنستني الدنيا ... أنستني حياتي القصيرة ... إحساسي بالأسى تجاهه يتضاعف ... خُيل إلي أن دموعي ستنهمر ... خيل لي أن قلبي سينفطر ...

لويحظات ... وأغلق عينيه من جديد .... وهو يلف في انتشاء أكبر ... لكني لمحتها ... تلك الدمعة التي هربت من بين براثن رموشه لتطير في الهواء ... راسمةً خطاً قصيراً يُضاف إلى دفتر عذابه ... ما لبث أن تلاشى بين دوراناته ...

هاهو يضع يديه على صدره ... أستطيع سماعه ... إنه يحدث نفسه عن هذا الفتى ... الذي لا تزال أمامه الدنيا وأحلامها... هذا الفتى الذي يمتلئ صخبا وحماسا ...

يبتسم ...ويردد في صوت مخفوت سمعه قلبي ... ياله من فتى محظوظ !!! ه

شروق



الأول : ما أجمل شروق الشمس

الثاني : شروق ؟؟ ... إنه الغروب يا صديقي

الأول: لا يهم ...المهم هو التمتع بهذه الأشعة الخضراء

الثاني : خضراء ؟؟؟ .... ألم ترى أشعة ذهبية في حياتك ؟؟؟

ابتسم الأول ... والتفت إلى الثاني ... عدل من وضع نظارته الشمسية ثم قام ضاربا الأرض بعصاه لتكشف له الطريق ... فهو - ككفيف - لم يعد يعرف ما الفرق بين الأخضر والذهبي

لم يعد حتى يبالي بالفرق


ذو القناع



ها هو يرد بهذا القناع البارد الذي احترف ارتداءه ...

كلماته قوية, رأيه ثابت, منطقه راجح عابث ... لا أعلم كيف يجتمع كلاهما معاً ... ولكنه استطاع أن يفعلها

لكني أراها, أرى ابتسامته وراء هذا القناع تتسع, إنه سعيد, بل إنه يكاد يطير فرحا، ليصطدم بأول طائرة ركاب تعبر فوق القاهرة ...

ابتسامة سعيدة بهذا الجدل العقيم ...

هي هواية ؟ ... ربما ... ولو أني أعتقد أنه الوحيد الذي يهواها

أم حرفة قد يتكسب منها ؟ ... فهو يبيع الكلام كأنه جرعة مخدرة

أم لعلها مجرد سفسطة كاذبة ؟ ... أرى أنها تعجبه ... كمدمن عشق حقنته ... ورجل هام بزوجته

لكني -مع ذلك - ما زلت ابتسامته المراوغة هناك ... تتخفى .. خلف ذاك القناع ... القناع الكاذب


قصته ... وقد تكون قصتك



هي قصة تقليدية قليلا ... لكني أحببت أن أخرج فيها بعض الأفكار والذكريات ، وأعتقد أني راض عما وصلت إليه

لكن لو أردت قرآءتها فسأحيلك إلى رابط آخر ... لأنها قد لا تناسب موضوع المدونة

قصته ... وقد تكون قصتك

.
.
.

بـــتحبهـــا ؟؟

بتحبها ؟


الكاميرا تدور في الشارع باحثة عن فرصة ما, المذيع يجول بنظره ... وقع نظره عليه, مواطن من الدرجة الأولى ... توجه إليه مع المصور الذي يعاني معه حر الصيف وبرد الشتاء والعمل المفتوح المخاطر مع المواطنين ... وصلا إليه ... وبدأ اللقاء ... اللقاء التاريخي

- أهلا وسهلا يا حضرة
نظر إليهما بشك واستنكار رادا :
- أهلا بيك ياخويا ... خير ؟
- احنا من برنامج "فكر تاني" ... وعايزين نسألك سؤال مهم

ابتسم الرجل بشدة مندفعا إلى نافوخه تلك الأحلام النجومية بظهوره على شاشة التلفزيون, وكيف سيقف أمام مراته ليخبرها بكل فخر أنه "نجم", وسيحترمه بلبل بلطجي الحارة , بل قد يتصل به "بيتر جاكسون" عارضا عليه دور الغوريلا في "كينج كونج 2" .... و ....

- يا إكسلانس ... انت معانا ؟؟؟
- إيه ؟؟؟ .... آه ... أيوه أيوه ... باردون
- باردون !!!! .... طيب يا خواجة ... ممكن نسألك "كويسشن"؟
- أكيد ... جو أهيد
- طيب نتعرف عليك الأول ؟
- واحد ... واحد مصري
- طيب ... انت .... بتحبها ؟ ........ بتحب مصر؟

أجفل الرجل .... اتسعت عيناه , اضطربت شفتاه, ... هل يقصدها ... مصر؟ ... تمتم كعاشق غدرت به حبيبته:
- بحبــ .... بحبها ؟ ...... إيه اللي بتقوله ده ... أنا دايب في دباديبها, عاشق لهواها, شارب من نيلها, حابب ....
- طيب ... طيب ... من غير أفلام ... بتحبها ليه ؟
- ليه ؟ .... إزاي يا باشا تقول كده ... ليه؟ ... دي مصر اللي اديتني كل حاجة , اللي عملتلي كل حاجة, متقولش مصر اديتني إيه , قول ...
- ... إديت إيه لمصر, عارفين الحورات الحمضانة دي ... بس احنا في البرنامج بنقولك فكرتاني ... هي اديتك إيه ؟
- كل حاجة, كل حاجة حضرتك
- زي ؟
سكت ... شخص ببصره يفكر, "صحيح, إديتني إيه؟" ... نقل بصره بين المذيع والمصور ومجموعة الناس التي اجتمعت حوله لعلها تظفر بفرصة للظهور في الصندوق العجيب ...
- بنقولك تاني .... إديتك إيه ؟
- مفيش اختيارات يا باشا ؟
نقل المذيع والضيف كليهما نظرهما لصاحب الصوت الذي أطل برأسه من وسط الزحام مطلقا هذا السؤال ... رمقاه بنظرة "من ساسه لراسه" ذهابا وعودة ... فانكمش بين الرؤوس الأخرى في خجل بينما عادت الحياة لطبيعتها أمام ا الكاميرا
- رد يا واحد يا مصري ... اديتك إيه ؟ ... اديتك شهادة ؟
- وثائق ومكتبات وربك يافندم
- ودي تشتغل بيها إيه ؟
- رف في مكتبة, جلدة في كتاب, دودة في موسوعة ... أي حاجة تأكل عيش ...
- واشتغلت إيه في الآخر ؟
- نقاش في حارتنا
- وبتعمل كام في الشهر ؟
- من 300 لحد 500 لحلوح
- بيقضوك ...؟
- أيوه ... بيقضوني أنا ... أكل وشرب ومواصلات ... التفكير في الجواز عيب, الرفاهية ممنوعة, الحاجة الساقعة بتدمر الميزانية
- طيب ... اديتك إيه بقى ؟؟؟

سكت ثانية ... أكيد هيه اديته حاجة, مش ده اللي بيقولوه على طول في الإعلانات والأغاني؟ ... بس صحيح, هوه كل ما كان يسأل كانوا يردوا : متقولش مصر اديتك إيه ... قول إديت إيه .... بلا ... بلا ... بلا
حاول الاعتراف ... هوه مخدش منها حاجة ... لكن نفسه أبت ... دي مصر :
- ربتني ... أكلتني زرعها ... شربتني نيلها ... سكنتني تحت سماها
- ليه ؟ ... مش انت اللي بتدفع حق الخضار؟ ... مش انت اللي بتكع فاتورة الميه؟ ... مش أبوك اللي طلعت عينه في قسط الشقة ؟
كاد أن يسكت ثالثة , لكنه قرر قلب الترابيزة :
- شكلك عميل ... أو من مخابرات دولة تانية ؟ ... انت مين ياض ؟
نظر له المذيع بثقة :
- أنا مصري ...وابن مصري ... بس بحب الصراحة
- صراحة إيه ؟
- صراحة إن البلد دي طلعت عيني في المذاكرة, وفي النهاية مدخلتش الكلية اللي نفسي فيها ... يبقى ما اديتنيش علم ... كافحت واتعلمت المجال اللي عايزه من على النت, واشتغلت مع قناة بره ... يبقى ما اديتنيش وظيفة ... اشتريت أرض وبنيت بيت , كانوا هيهدموه لولا دفعت رشاوي ... يبقى عامل مكاني بفلوسي ... تقدر تقولي عملتلي إيه ؟
- ازاي؟ ... انت أكيد مش مصري, انت خاين
- هوه ده ردك الوحيد ؟ ... عشان بواجهك بالحقيقة تقولي خاين ؟ .... هوه أنا دخلتلكوا الاستعمار؟ هيه اللي دخلته ... هوه أنا اللي عملتلكوا الذل ؟ .... هيه اللي فيه من ساعة ما اتولدت ... لا ليها حاجة عندي, ولا ليا حاجة عندها
- يعني ما استلفتش منها حاجة قبل كده ؟
- لأ ... هيه اللي خدت مني الجزمة والهدوم وسابتني عريان لما كنت بدرس لوحدي في الجامعة ... هيه اللي سابت البلطجية يضربوني وياخدو أول مرتب قبضته ... هيه اللي دخلتني التخشيبة لما خبطتني عربية بدعوى إني – كواحد بيعدي الشارع- مكنتش معلق نمر, عشان الأخ سواق العربية يقرب للبيه المسئول ...
- بس ... بس انت كده بتظلمها ... الناس هيه اللي عملت فيك
- ومين اللي جاب الناس ... ومين اللي سايبهم ... و ... صحيح ... إيه مصر أساسا ؟
- مصر ... بلدي ... من الاسكندرية إلى أسوان ... من رفح إلى السلوم
- طيب ما السودان كان معانا ... ليه مبقاش مصر ... وليه أنا مش سوداني
- إزاي يعني ؟
- يعني لو جيت بكره وقولتلك مصر أعلنت حدودها من الجيزة لأكتوبر ... يبقى الأخ البني سويفي يعتبر أجنبي ... ولو أعلنوا بولاق الدكرور مقر الحكومة ومنتهى الدولة, يبقى بتوع شبرا محتلين للأرض ... يا عم الحاج ... ده واحد جه , واحتلك, وقسمك, وقالك, انت مصر, من هنا لهنا ... روحت انت فرحت وهتفت بالروح والدم, وألفتلي مصر هي أمي, ولو سألتني ... وهلم جراً
- بس برضه, مهما عملت فيا ... أنا مصري... وبحبها
- يبقى انت بتحب الشقا
- لا يافندم ... طب بقولك ... انت بتحب أمك ؟
- إيه السؤال الغريب ده ... أكيد طبعا
- طيب ولو زعقتلك ؟ ضربتك ؟ شتمتك ؟
- أستحملها ... جزمتها على دماغي
- حتى لو مصرفتش عليك؟ حتى لو طردتك من البيت؟ حتى لو ميزت عليك أخوك ؟
- أكيد ... دي مهما كان أمي
- وهي ... مهما كانت ... مصر

سكت الاثنان, سكت الجمهور, سكت الشارع ... ودارت الكاميرا تصور مشهدا صامتا, خاليا من الحروف, بين واحد مصري دايب فيها ... وواحد مصري برضه, طالع عينه منها ...






ويستمر السكوت !!!!


Tuesday, August 25, 2009

ياليتني




-----------------

ضيق في النفس ... أحس بالاختناق ... بالموت

هااااااااااااااا

صرخت وأنا أكافح لآخذ بعض الهواء الذي يحيي رئتي ... ولكن لم يقابلني سوى هذا اللهيب الحار ... فيشوي الوجوه ويذيب الجلود

نار محرقة ... لكنها لا تضئ ... هي سوداء كظلمات البحر اللجي ... خانقة كدخان ألف بركان ...

أمد يدي يمنة ويسرة ... علّي أتشبث بمُنقذ ... علّي أجد مخرجاً أو منجى ...

ألمح ضوءاً ... لمع لثانية كانت كافية لتشعرني أنه نجم بزغ في الظلام ... أفِل ثانيةً ... ثم عاد في خفوت كما لو كان يدعوني

أكافح وسط اللهيب ... جلدي يذوب في ألم رهيب ... ليستبدله بجلد يذيقني المزيد ... وصرخاتي تخرج من جوفي وتتلاشى عند فمي المحترق ...

لا زلت أكافح أن أصل للضوء ... أريد أن أراه ... أريد أن أخرج من كابوسي ... أريد ذلك حقاً ...

دموعي تنهمر فتغلي في مقلتيها ... لتسيل على خديَّ حمماً تنهش لحمي المشتعل ...

أنفاسي المتعبة تخرج حارةً ملتهبة ... فترتد في وجهي حاملة معها غباراً أسودا ...

فجأة ... للحظة خرجت ... للحظة وجدت نفسي في ذاك النور .. في ذاك الضياء ... ولمحته هناك ... مصحفي ... قرآني ...

كلا ... لم يكن لي ... لم أكن معه ... لم أكن أعرفه ... كان فقط مجرد ديكور على الرف ... كان فقط مجرد شكل للبيت ...

مددت يدي في وهن ... وأنا أشاهد جلدها الواهي يتساقط في هدوء محترق ...

مددت يدي بشدة ... أريد أن أصل إليه ... أن ألمسه ... أن أبكي على صفحاته ندماً ...

مددت يدي أكثر وأكثر ... علّي ألمس نوره المشع ... علَي أنال من أمانه الواسع ...

لكن ... أحسست بتلك الأيادي تحيطني ... وتسحبني من جديد نحو السواد الحارق ...

صرخت في حسرة ... صرخت في ألم ... صرخت كما لم أصرخ في حياتي الفانية

امتدت يد تطبق على فمي ... تمنعني حتى من الصراخ أو الألم ... ليسكن كل شئ حولي ...

إلا من هذا الصوت المسموع ... ما إن وعيت كلماته حتى ارتعد ما تبقى من أطرافي ... وهو يردد :


" قال ربي ....... ارجعون"


-----------------

photo reference


Wednesday, December 31, 2008

.... كان اسمها ....

حاول تقرا للآخر




.... كان اسمها ....
--------------



الزمان : أواخر 2018
المكان : القاهرة الجديدة – البرج الأمريكي السكني – الدور 304 - شقتي العزيزة

أسترخي على كرسيي الوثير, غائصا فيه حتى حلمات أذني, مستمتعا بنسمات التكييف الدافئة بينما اطالع إيميلاتي على اللابتوب الجديد ذي الشاشة الهولوجرامية, وبالتأكيد رفيق دربي, كوب النعناع, يحتل مكانه على مكتبي مذكرني بأيامي الماضية, أيام القشف ...

تحركت لأدفن نفسي في هذا الكرسي أكثر, وأنا أعلم كم تبلغ درجة الحرارة خارجا والقادرة على تحويل كوب من الأيس كريم إلى قطعة ثلج و ... أوه ... نسيت أن الأيس كريم مثلج بطبعه اساساً ...

أصوات صياح شقية تعلو خارج مكتبي, تهدأ الأصولات, ثم أسمع طرقات ضعيفة تذكرك بقطة صغيرة تخربش باب منزلك القديم طلبا للدفء, لحظات وفُتح الباب ليطل منه وجه ملاكي الصغير "سارة" ذات السبعة أعوام بابتسامتها التي تستطيع إذابة قلب رجل الجليد المجمد ... ضحكت ضحكة كبيرة, ضحكة واسعة أجزم أنها قادرة على إحداث زلزال شوق في نصف سكان القاهرة على الأقل ...

جرت نحوي لتقفز في أحضاني , تظاهرت بقتالها , أخذت ألاعبها رفعتها لأعلى :
" مين حبيب بابي"
" أنا"
" مين عايز ينط في حضن بابي ؟"
"أنااااا"
" مين عايز بوووووووووووسه"
" أنااااااااااااااااا"

اختلطت "أناها" مع كلماتي وأنا أدفسها في حضني مغرقا إياها بالقبلات ومزغزغا إيها حتى صاحت مفرفرة ضاحكة :
كفاية يا بابي ... كفاااااااية
ابتعدت عنها ضاحكا ... لعبت في شعرها بعبث وسط صرخاتها الطفولية بينما ....
"احم ... "
اعتدلت في سرعة متطلعا إلى "نيكول" , زوجتي الأمريكية , رامقة إياي بنظرات متوعدة ... فردت ظهري مصطنعا الحزم وأنا أقول لسارة :
خلاص يا سارة ... يلا بقى عشان تلحقي تذاكري

ضحكت سارة ضحكة خبيثة ... فهي تعلم من الآمر الناهي في هذا البيت رغم أعوامها السبع ... نزلت من على قدمي مسرعة خلف أمها التي غادرت الحجرة, لكن سارة توقفت, قبل أن تخرج , والتفتت إلي :
"بابي ... في حاجة شفتها على "جوجل" وأنا بعمل بحث الـ "هيستوري" بتاعي ... ومفهمتهاش"
ابتسمت وأنا أردد في نفسي : البت الخلبوصة ... وبقت تعمل مذاكرتها على جوجل, الله يرحم أيام كارت الفاكس والديال أب
"بابي ؟"
أفاقتني من تلك السرحة البسيطة :
"قولي يا حبيبتي... إيه اللي مفهمتوش"
"كلمة كده ... تقريبا اسم مدينة قديمة"
"اسمها إيه ؟"
"اسمها ... غــ ... غـــااا ... أيوه ... غزة"

غزة ؟؟؟
انتفضت كمن تلقى للتو 1000 فولت من الكهرباء سرت في جسده بغته, انتفضت كمن صب على رأسه إناء زيت مغلي , انتفضت ... كما لم أنتفض من قبل ...
تحركت يدي لا إراديا ... سقط كوب النعناع ... دوار شديد ... جعل رأسي كسندان يطرق عليها مطرقة من فولاذ ...

"بابي ؟؟؟ مالك ... في حاجة ؟"
أتطلع إلى سارة بعينين خاويتين, جسدي هربت منه الدماء, حلقي جف كصحراء لم يمسسها المطر منذ عقود, أصابعي ترتعش, نعم , ترتعش بشدة, لا أستطيع إيقافها وهي تنافس في سرعتها دقات قلبي المرتفعة وأصوات أنفاسي المتعاقبة ..
غزة ؟؟؟

"سارة ... كوم هير ماي بيبي"
صوت أمها ينادي عليها ولاتزال سارة في حالة قلق وخوف
اهتزت شفتاي, محاولتان قدر الإمكان رسم شبح ابتسامة وأنا أردد بصوت مبحوح :
"طيب يا سارة ... روحي كلمي ماما دلوقتي"
تطلعت إلي الفتاة المسكينة بعيون ملأها التساؤل والإشفاق, لكنها سارعت بالخروج مغلقة الباب ورائها ... أغلقته, لأغوص أنا في كرسيي, لكنه لم يكن وثيرا هذه المرة ... بل هو صلب ... مؤلم ... كما لو أنه أنبت لنفسه أشواكا لتعاقبني, لتعذبني ... والأسوأ, لتذكرني ...

حاولت الاستناد على مكتبي ... أنفاسي تتسارع أكثر, قلبي يسابق دقات الساعة, فتحت الدرج بيد مرتعشة, تناولت دواء القلب, أفرغت محتواه على المكتب وتناولت بيد واهنة أحد تلك الأقراص , رويدا رويدا , بدأت أشعر بتحسن ... لكنه تحسن ذلك الجسد الفاني ... أما عقلي ... فبدأ رحلة العذاب, رحلة إزالة الغبار, رحلة ... الذكريات

غزة ... ياااااااااااااااااااه ... منذ ما يقرب من عشر سنوات ... كانت هناك ... كانت تئن ... كانت تنادي ... لكنها أخطأت ... فقد نادت على الرجال في زمن اختبأ فيه أشباه الرجال خلف النساء ... نادت على الأسود في وقت كانوا فيه ضباعا تنتظر الفتات ... نادت على أمة تركت كل ما يربطها بهذه الأمة إلا اسما في بطاقة أو ملحوظة في دفتر ذكريات ...

تألمت ... بكيت ... نعم ... دمعتي سقطت ... لم أتصور ذلك ... لقد ... نسيتها ....
نعم ... أنا ... وغيري ... وأمتي كلها ... نسيناها ... نسينا ... غزة
شعلة المقاومة تلك انطفأت ... اختفت ... تاركة النساء للنساء, والعار للعار ...
نعم تذكرت الآن ... أبادوها ... منذ عشر سنوات دمروها ... منذ عشر سنوات خسفوها ...

اعتدلت ... تطلعت إلى شاشة حاسوبي ... تذكرت ذلك الموضوع في أحد المنتديات التي طالما شهدت نزاعاتنا العنصرية مقدمة على الوحدة الإسلامية ... كان الموضوع عن اننا يوما ما سننساها, وصرخت وقتها من أعماقي, أبدا يا غزة لن أنساكي, لن أنسى ما قعله بك هؤلاء , لن أنسى جراحك وآهاتك وعذابك و ........ ونسيت ... بكل بساطة ...

تسندت في صعوبة على بعض الكراسي حتى وصلت إلى شرفة بيتي العريضة المطلة على القاهرة الجديدة من هذا الارتفاع الشاهق ... وتطلعت ... الآن أحس بالفرق ... الآن أحس بالذل ... هاهي جامعة تل أبيب قد فتحت مقرا لها هنا وسطنا ليكون منارة لهم في أرضنا ... أنظر يمينا قليلا لأجد مطعم الأكلات العبرية بواجهته التي تحوي اللونين الأبيض والأزرق مذكرة كل ناظر بعلمهم الحقير ... أمسكت سترتي لأنتبه لأول مرة من عبارة "صنع في إسرائيل بأيدي مصرية" ... ابتسمت ابتسامة مرارة, ابتسامة خزي, ابتسامة انهزام ...

عدت إلى حاسوبي, فتحت جوجل لأبدأ البحث, كتبت غزة بالعربية, لم أجدها ... كتبتها بالإنجليزية, يااااااااه , ترى كيف كانت تكتب, أخذت أحاول وأكتب و ... وجدتها ... ثم النتيجة ... صفحة واحدة كتب عنوانها اسم غزة بالانجليزية ... دخلت على الصفحة لأجد سطرا واحدا
"في الذكرى العاشرة لاجتياح غزة ... هل نسيناها؟"

رعشة قوية اجتاحت ظهري حتى أطراف شعري ... أبتلع ريقي الجاف ليجعل من حلقي مراً علقماً ... دمعة أخرى تتكون في عيني التي طالما شاهدت صور الشهداء ...

أغمضت عيني والدمعة تنحدر ... وأنا أتذكر القصف والنيران التي كانت تنهال عليهم ... ماذا لو أني كنت هناك ... ماذا لو كانت"سارة" ابنتي أحد الضحايا ... وأنا أجري بها يمينا ويسارا ... وأصرخ أمام عدسات المصورين ... ماذا دهاك أيها العالم الأصم ... ماذا دهاكم أيها العرب ... أين أنتم, وأين رجالكم, وأين جيوشكم ؟ ... متى ستتحركون لإنقاذ ابنتي ... أنظر إليها والدموع تنهمر لتغرق وجهها البرئ, لتنسدل على شعرها الذي تمشطه سعيدة كل صباح, لتغرق ثوبها الذي فرحت به هذا العيد , تغرق لعبتها القماشية التي تصطحبها في كل مكان ... أصرخ في ألم مر, لعل صوتي يسمع النائمين في فرشهم الوثيرة ... لعله يوقظ هذه القلوب التي دفنت قبل أن يُدفن أصحابها, لعلها تزيل هذه الجدران والطائرات لتفتح لي الطريق إلى أقرب مستشفى لإنقاذ فلذة كبدي ...

أتخيل نفسي ... وأنا أشاهد تلفازا في ركن من بقايا منزل محطم ... أطالع صورتي في أخبار المساء ... صورتي ... وبجوارها خبر, أب يفقد ابنته في القصف الوحشي, ثم ... اجتماع للعرب للتعبير عن الإدانة الوحشية ... أعتصر بيدي لعبة صغيرتي, أمسح عليها, علي أجد فيها مواسيا عن كلام المسلمين, عن غثائهم, عن خلافاتهم ... التي أخذت مني ابنتي ...

"بابي ؟؟؟"
فتحت عيني فجأة .... مستيقظا من غفوتي, مستيقظا من سكرتي, موقظا رجولتي ... ومن بين دموعي, ميزت وجهها البرئ ... لم أتحمل , أخذتها في حضني وأنا أقبلها بشدة, أبعدتني برقة ومدت يدها لتمسح دموعي وهي تقول في براءة :
"بابي ... انت بتعيط ليه؟ ... ماما زعقتلك تاني"
ابتسمت في مرارة ... وأنا أقول لها :
" لا يا حبيبتي ... ماما مش هتزعق تاني من النهاردة ... وبعد كده, قوليلي يا أبي"
اتسعت ابتسامتها وهي تردد :
"جميلة أوي أبي دي ... بس ماما مش هتزعل ؟"
"ليه يا حبيبتي"
"عشان انت خدت منها الاسم ؟"
ضحكت بشدة رافعا إياها على حجري وأنا أقول :
"بصي بأه ... النهاردة هحكيلك قصة جميلة جدا "
"بجد يا بابا ؟"
"أيوه ... أول مرة تسمعيها"
"يعني مش غاششها ... من كتاب ... 100 قصة للأطفال"
ابتسمت ... ورددت:
"لأ ... لأن دي قصة حقيقية يا سارة"

وبدأت أحكي لها عن رجالنا ... عن أسودنا ... عن الذين تحملوا وصمدوا ... أحكي لها عن الذين ارتدوا ثوب الرجولة يوم أن تدثر النساء بالنساء ... أحكي لها عن أرض الصمود ... عن أرض ... كانت ... وسيظل اسمها ... غزة


Wednesday, November 26, 2008

جعلوني معفناً

بالأمس جلست أراجع بعضا من أحوالي الأخيرة
وتطرقت مع نفسي الحبيبة إلى موضوع النظافة

أعلم تمام اليقين أني لست نظيفا كقنطة مدام نظيفة
ولا منظما كسطور كشكول أبو 100 ورقة
ولا منضبطا كوحدة صفط اللبن العسكرية

لكني أملك ثلاثتهم ... ولو بقدر ضئيل يسير
ولو أنه اتضح لي من فضفضتي معايا بالأمس ... أن هذا القدر الضئيل, كبير بالنسبة لهذا العالم الذي أنا فيه
في نظرهم .. أنت إنسان مثالي, مهووس بالنظافة, يطاردك هاجس على شكل صندوق زبالة بستة أرجل وعشرة رؤووس

إذا أكلت كيس شيبسي في الطريق, ثم وضعته في الشنطة أو في جيبك المصون حتى لا تلقيه على الأرض, ولتوصله سالما إلى أقرب صفيحة زبالة ... طالعتك تلك النظرات التي تشكك في سلامة قواك العقلية

ولو أنك تجرأت وأمرت أحدهم ألا يلقي منديله عن الأرض بل يضعه في سلة القمامة التي لا تبعد عن جنابه أكثر من متر واحد ... لابتسم في استهزاء واضح ... مائلا على زميله هامسا له بكلمات من نوعية : ده شكله من كوكب تاني

لو أن أصدقائك في العمل أو زملائك في السكن أو اخوتك في البيت ألقوا بمتعلقاتهم أرضا أو أكلوا أكلا من نوع "نويت الطحن في هذا الصحن" وتناثرت بقايا طعامهم في كل مكان, ثم أمرتهم أن ينظفوا أو يرتبوا ما أتلفوه ... لوجدت الاستهتار واللا مبالاة بل والتنفيض الذي قد يرغمك أحيانا على تنظيف قاذورات غيرك حتى لا يطاردك الذباب أو يمص الناموس في دمك كفامبير العصور الوسطى ..

لقد أصبحت أنا المتهم ... بالنظافة
وأنا ... الذي أحاول أن أمون مثاليا
وأنا ... الشخص غريب الاطوار الذذي لا يرضى بالواقع

لكن ... وياللعجب ... جرب في مرة أن تتكلم عن التقدم والتخلف أمام أحدهم
لوجدته وقف على منبر العظماء ... وتحدث كيف أنهم "في أوروبا والدول المتكدمة" يهتمون بالنظافة والنزام
وكيف أننا شعب همجي عاش على الغوغاء
ولو أنه بيده ... لنظف كل أرجاء المعمورة وأعاد لنا الإحساس بنظافة برسيل
وتجده في غمرة حديثه هذا ... تتناثر من فمه بقايا طعام لم تجد مسلكا في فمه الممتلئ
وملقيا بمنديل -لم يعد فيه مليميتر بلونه الابيض- على الأرض التي تعج بمثيلات هذا المنديل
بينما يلقى فردة حذائه في منتصف الغرفة ظانا أنها سيندريلا التي ستأتي بأحدهم جريا لكي يلم له كل هذه "الزراويط" وهو يعلم تمام العلم والتأكد , أن رائحة شرابه قادرة على إحداث طفرة في مجال صناعة الأسلحة البيولوجية سريعة المفعول

إنها كوميديا الموقف .. التي لا ينقصها إلا بعض الضحكات المصطنعة في الخلفية وموسيقى تصويرية من فيلم بات مان ليكتمل مشهد المناضل "اللي بيعيش في الدور" ويذاع على شبكة فوكس

إنها المهزلة ... القذارة الآدمية ... والتي تنتصر دائما
نعم ... فعلى الرغم من مقاومتي الشخصية .. إلا أن أدوية ارتفاع الضغط وحرقان الدم مكلفان بالنظر إلى الدفاع عن هذه القضية

لذا .. قررت ان ألقي الراية ... على الأرض ... وسط أكوام القمامة التي شكلت أرضنا الجديدة
وأن اطيح بأحدهم من على منبره لأستلمه أنا
موجها نداءا مخصوصا
إلى تلك الجموع

شكرا لكم جميعا
فقد جعلتموني

معفناً

Tuesday, November 18, 2008

ألوانيكا

كأي شاب يهمه مستقبله مجهول الملامح ... نزلت الشغل
وكأي مواطن مفحوت في أرضه الحبيبة ... ركبت الميكروباص
وكأي مصري فضولي ... قعدت أضيع وقتي بالفرجة من الشباك

كان ده بعد العيد على طول - عيد الفطر عشان اللي هيقرا البتاع ده متأخر- وفي وقت مبكر
ولفت نظري -الذي يعاني من وجود بترينة أمامية لتجلب له العالم الخارجي- بشئ غريب مدهش ملفت متعجبا بأعجوبة الأعاجيب

لبس فسفوري ... لا .. ده كان لمض نايلون فسفوري
وبعد تمحيص اكتشفت - وياللأسف- إنهم مجموعة بنات لابسين حاجة كده لونها أصفر فاقع
نفضت معتقدا إنهم حبة صحاب عايزين يعملوا جو حواليهم ... أو واحدة مخلفة 5 بنات جايبلهم نفس الطقم عشان تريح دماغها ... أو يمكن جايلهم معونة ومحبوش يكسفوا ولاد الحلال

لحظة ... الست دي شكلها مخلفة كتير أوي
في اتنين هناك أهم ... وكام واحدة خارجين من معهد في شارع الهرم ... وواحدة هتركب ميكربواص ... و .... و.... و

يا نهار مش باينله لون ... الواضح والصريح إن كل أخت حفظها الله أصرت على أن تكون توأما للأخرى
وكل توأم من الأخرى أصرت تكون توأم للتوأم اللي التوأم عايزه تبقى توأمها
!!!!!!!!!!!!

الآن اتضحت الرؤية ... دي موضة جديدة ... نيولوك بناتيتي

السطحية في التفكير ... والعميان في التعبير ... معظم البنات بيصابوا بالحالتين دول مع أول ظهور للموضة
حتى لو كان المنظر مش ولا بد لدرجة إن واحدة ممكن تقعد تدور على بنتها يومين وهي قدامها في الميكروباص من كتر تشابه البنات

مجرد موضة ... تقلب شارع مصر أصفر ... وتحوله بليل أحمر ... وقبل الفجر كاروهات
مجرد موضة ... تخلي البنت ترمي الهدوم اللي لسه جايباها الأسبوع اللي فات عشان بقت موضة قديمة
مجرد موضة ... تخلي واحد يشقى طول النهار عشان يجيب لخطيبته أو مراته "هدمة" جديدة
مجرد موضة أيها الأفاضل ... تبينلك دماغ معظم البنات بتمشي إزاي ...ودائما بيكون اتجاه واحد .... رمسيس - عباسية

للأسف الشديد ... الواحد هيفضل يتحسر على حال الناس ... لحد ما "الحسرة" تبقى موضة قديمة

Sunday, November 16, 2008

مقدمة ... مش عارف إيه لزمتها

بسم الله الرحمن الرحيم
--------------------

بعد فترة لابأس بها من الملاحظة والتحليل والتمحيص والتفحيص والتحميص والخبز والعجن
اكتشفت أني ..وكأي بني آدم محترم (رغم قلتهم هذه الأيام) ليا وجهة نظر

آه والله... طلعت بشوف وبيشد انتباهي حاجات أكتر من الجرافيك والبلاي ستيشن وصينية بطاطس الحاجة ربنا يحفظها
وكان لا بد أبين وجهة نظري ... وأعلن عنها ...يمكن رخامة...ويمكن تناحة...وممكن تبقى غتاتة
لكن بما إني عارف إن في ناس ممكن تقرا ... وممكن كمان - لا قدر الله - تعلق على اللي هكتبه
فقلت مبدهاش ... وأفتح مدونة للمقالات الشخصية

الفرق بين المدونة دي ومدونة شوية فن - فرفشة يعني
إن الأخيرة للقصص الساخرة بس ... أنا بكتبها... وليهاأبطالها ... ممكن تكون خيال ... وممكن تكون افتباس من الواقع
إنما المدونة دي مخصصة لمناقشة مواضيع مهمة - من وجهة نظري- وتافهة - من وجهة نظر حضرتك- وعاملة زحمة - من وجهة نظر ستي الله يرحمها

على كل حال .... ويلكم بيكيافندم
^_^